محمد الغزالي

82

فقه السيرة ( الغزالي )

وقد استأنف محمد عليه الصلاة والسلام ما ألفه بعد زواجه من حياة التأمّل والعزلة ، وهجر ما كان عليه العرب في أحفالهم الصاخبة من إدمان ولغو وقمار ونفار ، وإن لم يقطعه ذلك عن إدارة تجارته ، وتدبير معايشه ، والضرب في الأرض والمشي في الأسواق . إنّ حياة الرجل العاقل وسط جماعة طائشة تقتضي ضروبا من الحذر والرويّة ، وخصوصا إذا كان الرجل على خلق عظيم يتقاضاه لين الجانب ، وبسط الوجه . ولم يكن ثمة ما يقلق في هذه الزيجة الموفّقة إلا ألم خديجة لهلاك الذكور من بنيها ؛ مع ما للذكران من منزلة خاصّة في أمّة كانت تئد البنات ، وتسودّ وجوه ابائهنّ عندما يبشّرون بهن ! ! . والغريب أنّ العرب بعد البعثة كانوا يعيّرون محمدا صلى اللّه عليه وسلم بهذا ، ويعلنون ارتقابهم لانقطاع أثره وانتهاء ذكره ؛ فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، أن قريشا تواصت بينها في التمادي في الغيّ والكفر ، وقالت : الذي نحن عليه أحقّ مما عليه هذا الصنبور المنبتر - والصنبور : النخلة التي اندقّ أصلها - يعنون أن محمدا عليه الصلاة والسلام إذا مات لم يرثه عقب ، ولم يحمل رسالته أحد أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) [ الطور ] ! ! . ومحمّد صلى اللّه عليه وسلم ورسالته فوق هذه الأماني الصغيرة ، إلا أنّ الأسى كان يغزو قلب الوالد الجليل وهو يودع أبناءه الثرى ، فيجدد الثكل ما رسب في أعماقه من الام اليتم ، إنّ غصنه تشبث بالحياة ، فاستطاع البقاء والنماء برغم فقدانه أبويه ، وها هو ذا يرى أغصانه المنبسقة عنه تذوي مع رغبته العميقة ورغبة شريكة حياته في أن يرياها مزهرة مثمرة ، وكأنّ اللّه أراد أن يجعل الرقة الحزينة جزا من كيانه ! فإن الرّجال الذين يسوسون الشعوب لا يجنحون إلى الجبروت إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة والأثرة ، وعاشت في أفراح لا يخامرها كدر ، أما الرجل الذي خبر الآلام ؛ فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين ، ومداواة المجروحين .